قاطع الإخوان المسلمون ، الانتخابات النيابية المقبلة . وهو قرار له ، عندهم ، مبرراته الموضوعية والذاتية .
المبررات الموضوعية واضحة وعديدة . وهنالك ما يشبه الإجماع الوطني عليها. فالبرلمان نفسه تم تجريده من صلاحياته الدستورية وتخفيض وزنه الاعتباري، ويجري حله كلما كان هنالك قوانين اقتصادية أساسية تريد السلطات تمريرها ، و قانون الانتخابات العامة القائم على الدوائر الافتراضية هو أسوأ من قانون الصوت الواحد المجزوء من حيث آثاره التفتيتية على المجتمع الأردني وحرصه على تدمير فرص تكوّن أحزاب فاعلة . كذلك ، فإن 89000 مقترع تم نقلهم من دوائرهم الأصلية إلى دوائر أخرى العام 2007 يشكلون كتلة أصوات عائمة معروضة للبيع ، وأخيرا ، فإن تقاليد التزوير أصبحت راسخة لدى الأجهزة الحكومية بحيث فقدت صدقيتها.
المبررات الذاتية ـ ونعتقد أنها هي الأساس وراء قرار الإخوان المسلمين بالمقاطعة ـ تكمن في الآتي :
أولا، إن الإنشقاق السياسي ـ التنظيمي داخل الإخوان بين التيار الحمساوي والتيار المحلي، هو أكبر من أن يمكّن الإخوان من خوض معركة انتخابية منسجمة سياسيا من حيث الطرح أو من حيث التحشيد الجماهيري . وهو وضع يهدد وحدة الإسلاميين نهائيا إذا ما تعرضت لاختبار ميداني كالانتخابات .
في العام 2007 دفع التيار المحلي ( المسمى بالحمائم والداعي إلى التزام الحركة الإسلامية ببرنامج إصلاحي محلي ) إلى المشاركة في الانتخابات ، بينما دفع التيار الحمساوي ( المسمى بالصقور والداعي إلى ربط الموقف من الحكومات الأردنية بموقفها من حماس ) نحو المقاطعة ومارسها فعليا، مما وضع التيار المحلي بين مطرقة التزوير الحكومي وسندان الحجب الإخواني الحمساوي .
اللافت أن التيار الإخواني المحلي كان عقد مع حكومة معروف البخيت صفقة مشاركة لم يستطع البخيت الوفاء بالتزاماتها. وهو ما زرع لدى قادة هذا التيار شكوكا أصيلة إزاء أي تفاهم مع الحكومات.
ثانيا ، ليس لدى حركة الإخوان خطاب سياسي موحد . وبينما واظب الحمساويون على تشكيل خطابهم وممارساتهم وفق الأجندة الحمساوية، فإن التيار المحلي إنشغل بالصراعات الداخلية عن لعب أي دور في الحركة الشعبية المحلية ، سواء أفي نضالات العمال أم المعلمين أم في مواجهة قوانين حكومة الرفاعي المؤقتة ، وخصوصا الضمان والضريبة أم في تشكل تجمعات الحركة الوطنية . وقد اتفقوا مع الحمساويين على الالتحاق ببيان أحمد عبيدات ، منضمين إلى الليبراليين والتطبيعيين والفتحاويين والانتهازيين الخ في مهاجمة اللجنة الوطنية للمتقاعدين العسكريين ونداء 1 أيار 2010 الذي اعتبره مئات الآلاف من الأردنيين مانفستو الحركة الوطنية الجديدة .
ثالثا، إن غياب الإسلاميين عن النضالات الاجتماعية والدستورية وتصديهم لنشوء الحركة الوطنية ، أفقدهم قواعد شعبية رئيسية في المحافظات ولدى جمهور الحركة الوطنية الناشيء والمتسع . وهو ما أدى ، عمليا ، إلى انحسار قواعد الإسلاميين في قواعد الحمساويين . وهو وضع غير ملائم إطلاقا لقادة التيار المحلي الذين أصبحوا معلقين في الهواء . فلا هم تواصلوا مع قواعدهم الممكنة ولا هم في حالة انسجام مع قواعد الحمساويين.
وعلى طريقة التكتيكات الحزبية ، استخدم التيار المحلي ، شعار جماهير الحمساويين ليحرج قياداتهم ويلزمها بالمقاطعة .
حكومة سمير الرفاعي ، من جهتها ، متلهفة على مشاركة الإسلاميين في الانتخابات. فهي تعتمد على هذه المشاركة في منح الانتخابات صدقية إقليمية ودولية طالما أن القوى الغربية لا ترى في الأردن من معارضة غير الإسلاميين . وقد لحظ قانون الانتخابات المؤقت توضيب ما لا يقل عن 20 مقعدا للإسلاميين في البرلمان ، وجودها ضروري لتشريع المحاصصة البرلمانية التي نظّمها قانون الانتخابات الجديد بالدوائر الافتراضية . فبدون مشاركة الإسلاميين سوف تنكشف أو تنخفض نسبة التمثيل للأردنيين ـ الفلسطينيين في البرلمان. وهو ما لا يمكن تعويضه إلا بالتزوير.
وتأمن الحكومات ، عادة ، المعارضة الإسلامية في المجال الاقتصادي ـ الاجتماعي ، بينما يأتيها معارضو قوانين اللبرلة ، عادة، من جانب الموالاة.
على هذه الخلفية ، فإن قرار الإسلاميين بمقاطعة الانتخابات النيابية لا يمثل حافزا لمقاطعتها من قبل الوطنيين ولا سببا للمشاركة فيها . بالنسبة للحركة الوطنية الأردنية ، فإن الحركة الإسلامية وكل قوى المعارضة التقليدية الأخرى، أصبحت من الماضي ـ وهذا لا يعني أن الحركة الوطنية الأردنية تنبذ الإسلاميين والقوميين واليساريين كأفراد ومناضلين ـ ولكنه يعني أن المشروع الوطني الأردني قد تجاوز تلك القوى وخطاباتها والتزاماتها .
السؤال ، إذن، هل هنالك مصلحة للوطنيين الأردنيين في المشاركة في الانتخابات المقبلة ؟ والإجابة ، عندي ، هي : نعم .
(1) فالحركة الوطنية الجديدة حركة ناشئة بحاجة إلى تعريف الجمهور بخطابها وقياداتها وتشكيل هذه القيادات في الميدان . وفترة الانتخابات ، بغض النظر عن النتائج ، هي فترة ذهبية للدعاية السياسية والتنظيم .
(2) وتحتاج الحركة التي تبلورت ملامحها في وقت قصير من هذا العام إلى التفاعل مع جمهورها ومعرفة اتجاهاته العيانية ونشطائه ونبضه . وهو ما تيسره الانتخابات .
(3) وقد راكمت الحركة في الأشهر الماضية نضالات شعبية ومواقف جريئة وأظهرت شخصيات ما يؤهلها لخوض الانتخابات كحركة. وهذا شرط أساسي لقرار المشاركة .
(4) إن تمكن الحركة من اختراق البرلمان بأي عدد من المقاعد ، سوف يمنحها منبرا دستوريا لنضالها في وقت يتم فيه تضييق الخناق عليها من قبل الأجهزة الحكومية والإعلامية.
(5) إن قوة العامل العشائري سوف تضغط على جماهير المحافظات نحو المشاركة بهذه النسبة أو تلك ، مما يجعل مطالبة هذه الجماهير بمقاطعة الانتخابات غير واقعي.
على أن مشاركة الحركة الوطنية في الانتخابات المقبلة ينبغي أن تكون مشروطة بتحقيق ثلاثة شروط راهنة هي :
أولا، إلغاء كافة القرارات التعسفية المتخذة بحق نشطاء العمال والمعلمين ووقف الضغوط على المتقاعدين العسكريين ونشطاء الحركة الوطنية وإطلاق الحريات السياسية والاعلامية
ثانيا ، إلغاء مناقلات الأصوات لسنة 2007 كليا
ثالثا ، إعلان الحكومة التوقف عن إصدار قوانين مؤقتة نهائيا أو اتخاذ قرارات رئيسية أو القيام بإجراءات لا تأخذ بعين الاعتبار قرب انعقاد البرلمان واعتبار ها لنفسها ، منذ الآن ، حكومة تصريف أعمال مهمتها الوحيدة إجراء الانتخابات النيابية .
إلا أن هذه الحالة من عدم الوضوح فيما يتصل بالمشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة ليس مفيدا استمرارها أكثر . وأنا أدعو قيادات الحراك الوطني من كل الفئات ( عمالا ومتقاعدين ومعلمين ونشطاء ومثقفين الخ ) إلى ضرورة عقد لقاء موسع لاتخاذ قرار جماعي إزاء الانتخابات .
وإذا كان القرار بالمشاركة لا بد تنظيم قائمة وطنية واحدة . أما إذا كان القرار بالمقاطعة، فلا بد من تنظيم حملة شعبية لخفض نسبة المشاركة جذريا |