أسأل والدي الذي شارف على التسعين عن مدى تأثره بالحر هذه الأيام فلا يبدي شعوراً عالياً بالضيق, بل أرى في عينية استغراباً من سؤالي. والدتي هي الأخرى لا تكف عن دعوتنا لارتداء ما يكفي من الملابس حتى في الحر الشديد وفقاً لقاعدة ريفية تقول: "اللي يِلْقى عن البرد يِلْقى عن الحر".
وللتدليل على صحة هذه القاعدة تذكرني الوالدة دوماً بعادة الفلاحين قديماً حينما كان الواحد منهم القديمة عند قدوم موسم الحصاد صيفاً يرتدي ما يعرف ب¯"فروة ابْطِيّة" وهي صدرية من الفرو يلبسها لمدة ثلاثة شهور متتالية لأنه يكون تحت الطلب للعمل ليلاً نهاراً.
باستثناء فترة "الظهر الحمرا" لم يكن العمل أو الاستعداد للعمل يتوقف, وحتى في هذه الفترة القصيرة لا يتوقف العمل إلا إذا كانت الدنيا "مْصَنِقْرِه", أي شديدة الحرارة مثل هذه الأيام, وعندها ينتظرون حتى "يكسر الظل".
والمكان الظليل كان للجلوس والراحة فقط ولم يكن للمشي بالنسبة للإنسان. إن المشي في ظل الحائط مثلاً لا يكون إلا للدواب أجلكم الله, وأشهر الأماكن الظليلة هي "عروق السناسل" أي جوانب الأسوار التي تمشي فيها الدواب, وإذا مشى الرجل في "عروق السناسل" فإنه سوف يتعرض للتهكم الشديد, ولعل هذه الظاهرة القديمة تفسر الظاهرة الحديثة التي تتمثل في عدم التزام المشاة ذوي الأصول الريفية بالسير على الرصيف في المدينة على اعتبار أن الرصيف هنا يعادل "عروق السناسل" في الريف.
في المدينة يفترض أن يمشي الإنسان على الرصيف قرب الحائط, ولعل هذا يمكننا من الاستنتاج أن قاعدة "المشي الحيط الحيط" هي قاعدة مدينية بامتياز صيفاً وشتاءً.0 |